ابن أبي الحديد

131

شرح نهج البلاغة

برأيه في الرعية وفى دين الله ، واستلحاقه زيادا ، وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، وقتله حجر بن عدي وأصحابه ولم يجب عليهم القتل ، ومهانته لأبي ذر الغفاري وجبهه وشتمه وإشخاصه إلى المدينة على قتب بعير وطاق لانكاره عليه ، ولعنه عليا وحسنا وحسينا وعبد الله بن عباس على منابر الاسلام ، وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد ، مع ظهور فسقه وشربه المسكر جهارا ، ولعبه بالنرد ، ونومه بين القيان المغنيات ، واصطباحه معهن ، ولعبه بالطنبور بينهن ، وتطريقه بنى أمية للوثوب على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وخلافته ، حتى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ، المفتضحين الفاسقين : صاحب حبابة وسلامة ، والآخر رامي المصحف بالسهام وصاحب الاشعار في الزندقة والالحاد . ولا ريب أن الخوارج إنما برئ أهل الدين والحق منهم لأنهم فارقوا عليا وبرئوا منه وما عدا ذلك من عقائدهم ، نحو القول بتخليد الفاسق في النار ، والقول بالخروج على أمراء الجور ، وغير ذلك من أقاويلهم ، فإن أصحابنا يقولون بها ، ويذهبون إليها ، فلم يبق ما يقتضى البراءة منهم إلا برأتهم من على ، وقد كان معاوية يلعنه على رؤوس الاشهاد وعلى المنابر في الجمع والأعياد ، في المدينة ومكة وفى سائر مدن الاسلام فقد شارك الخوارج في الامر المكروه منهم ، وامتازوا عليه بإظهار الدين والتلزم بقوانين الشريعة ، والاجتهاد في العبادة وإنكار المنكرات ، وكانوا أحق بأن ينصروا عليه من أن ينصر عليهم ، فوضح بذلك قول أمير المؤمنين : ( لا تقاتلوا الخوارج بعدي ) ، يعنى في ملك معاوية . ومما يؤكد هذا المعنى أن عبد الله بن الزبير استنصر على يزيد بن معاوية بالخوارج واستدعاهم إلى ملكه ، فقال فيه الشاعر : يا بن الزبير أتهوى فتية قتلوا * ظلما أباك ولما تنزع الشكك ( 1 ) ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية * يا طيب ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا ! فقال ابن الزبير : لو شايعني الترك والديلم على محاربة بنى أمية ، لشايعتهم وانتصرت بهم .

--> ( 1 ) الشكك : جمع شكة ، وهي السلاح .